لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميه

آخر

فصل (3): التنبيه على أن فى القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التى تستحق أن تكون أصول الدين ، و سؤال الديار المصرية عن التكلم في أصول الدين

فصل -3- :  التنبيه على أن فى القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التى تستحق أن تكون أصول الدين ، و سؤال الديار المصرية عن التكلم في أصول الدين

 

ولما كنت بالديار المصرية سألني من سألني من فضلائها عن هذه المسألة فقالوا في سؤالهم إن قال قائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا ، فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه الصلاة والسلام النهى عن الكلام في بعض المسائل ، وإذا قيل بالجواز فهل يجب ذلك وهل نقل عنه عليه الصلاة والسلام ما يقتضي وجوبه ، وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع ، وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا، وإذا قيل بالوجوب فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك وقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هدى أمته ؟ .

 فأجبت الحمدلله رب العالمين أما المسألة الأولى ، فقول السائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا ، سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين أعنى الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين وأنها مما يحتاج إليه الدين ثم نفى نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة وكلا هذين باطل قطعا وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعا فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات وإنما هي جهليات وجهله بالامرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم ، وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولا أو تعمل عملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه المسائل ، أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته وإعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غايه المراد وتمام الواجب والمستحب والحمدلله الذي بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ” ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ” سورة يوسف 111 ، وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا ” لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ” سورة الملك 10  ، وإن كان ذلك كثيرا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية ، وأما القسم الثاني وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطرق الخير المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في بذلك العلم مالا يقدر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه ، وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها” ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل” سورة الزمر 27 فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمى الله آيتي موسى برهانين ” فذانك برهانان من ربك ” سورة القصص 32 ، ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوى فيه الأصل والفرع ولا بقياس شمولي تستوى فيه أفراده فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها ، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والإضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى :” ولله المثل الأعلى ” سورة النحل 60 مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المعلول المدبر فإنما استفاد من خالقه وربه ومدبره فهو أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ماتضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن شيء ما من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن الرب تبارك وتعالى بطريق الأولى وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود وأما الأمور العدمية فالممكن المحدث بها أحق ونحو ذلك ، ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك ، ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد والعلم به تابع للعلم بإمكانه فإن الممتنع لا يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما يسلكه طوائف من أهل الكلام حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني فيقولون هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال فإن هذه قضية كلية سالبة فلا بد من العلم بعموم هذا النفى ، وما يحتج به بعضهم على أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه كما نعلم امتناع الأمور الظاهر امتناعها مثل كون الجسم متحركا ساكنا فهذا كاحتجاج بعضهم على أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها وهذه حجة ضعيفة لأن البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به والمتصوران قد يكونان خفيين فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان وذلك لا يقدح في كونها ضرورية ولا يوجب أن ما لم يظهر امتناعه يكون ممكنا بل قول هؤلاء أضعف لأن الشيء قد يكون ممتنعا لأمور خفية لازمة له فما لم يعلم انتفاء تلك اللوازم أو عدم لزومها لا يمكن الجزم بإمكانه والمحال هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى بل يبقى الشىء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجى وهذا هو الإمكان الذهني فإن الله سبحانه وتعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن إمتناعه بخلاف الإمكان الخارجي فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا ، والإنسان يعلم الإمكان الخارجي تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة بعلمه بوجود نظيره وتارة بعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفى في إمكان وقوعه إن لم يعلم قدرة الرب على ذلك فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله ” أو لم يروا ان الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا ” سورة الإسراء 99 وقوله” أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ” سورة يس 81 و قوله ” أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير” سورة الأحقاف 33 وقوله ، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، سورة غافر 57 فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك ، وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله” وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ، سورة الروم 27 ولهذا قال بعد ذلك ، وله المثل الأعلى في السموات والأرض” سورة الروم 27 وقال” يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم” سورة الحج 5 ، وكذلك ما ذكر في قوله ” وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة “الآيات يس 78 82 فإن قول الله تعالى ” من يحي العظام وهي رميم” قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذى ذكره بقوله ، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ، وهذا استفهام إفكار متضمن للنفى أى لا أحد يحي العظام وهى رميم فإن كونها رميما يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى الحال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة والرطوبة ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من الشبهات ، والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحي العظام وهى رميم فلا أحد يحييها ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الإحياء فبين سبحانه إمكانه من وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال” يحييها الذي أنشأها أول مرة ” وقد أنشأها من التراب ثم قال ” وهو بكل خلق عليم ” سورة يس 79 ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال ثم قال ” الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا” سورة يس 80 فبين أنه أخرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب وذلك أبلغ فى المنافاة لأن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة إذ الرطوبة تقبل من الانفعال ما لا تقبله اليبوسة ولهذا كان تسخين الهواء والماء أيسر من تسخين التراب وإن كانت النار نفسها حارة يابسة فإنها جسم بسيط واليبس ضد الرطوبة والرطوبة يعنى بها البلة كرطوبة الماء ويعنى بها سرعة الإنفعال فيدخل في ذلك الهواء فكذلك يعنى باليبس عدم البلة فتكون النار يابسلة ويراد باليبس بطء الشكل والانفعال فيكون التراب يابسا دون النار فالتراب فيه اليبس بالمعنيين بخلاف النار لكن الحيوان الذي فيه حرارة ورطوبة يكون من العناصر الثلاثة التراب والماء والهواء ، وأما الجزء النارى فللناس فيه قولان قيل فيه حرارة نارية وإن لم يكن فيه جزء من النار وقيل بل فيه جزء من النار ، وعلى كل تقدير فتكون الحيوان من العناصر أولى بالإمكان من تكون النار من الشجر الأخضر فالقادر على أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة أن يخلق من التراب حيوانا فإن هذا معتاد وإن كان ذلك بما يضم إليه من الأجزاء الهوائية والمائية والمقصود الجمع فى المولدات ثم قال ، أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، سورة يس 81 ، وهذه مقدمة معلومة بالبداهة ولهذا جاء فيها بإستفهام التقرير الدال على أن ذلك مستقر معلوم عند المخاطب كما قال سبحانه” ولا ياتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ” سورة الفرقان 33 ثم بين قدرته العامة بقوله ” إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون” سور يس 82 ، وفى هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية على المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه ، وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التى جعلوها جوهر الابن منه وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة التى هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم يجعلون النفوس الفلكية عرضا لا جوهرا قائما بنفسه وذلك شبيه بقول مشركى العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات قال تعالى ” وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ” سورة الأنعام 100 وقال تعالى ” إلا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون” سورة الصافات 151 152 ، وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول أو العقول والنفوس هى الملائكة وهى متولدة عن الله قال تعالى” ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ” إلى قوله ” ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون” سورة النحل 57 62 ، وقال تعالى ” أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ” سورة الزخرف 16 19 وقال تعالى ” أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى ” سورة النجم 19 22 أي جائرة وغير ذلك في القرآن ، فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف تجعلون له ما تكرهون ان يكون لكم وتستحيون من إضافته إليكم مع أن ذلك واقع لا محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفى المكروهات المنقصات منكم ، وكذلك قوله في التوحيد ” ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ” سورة الروم 28 أى كخيفة بعضكم بعضا كما في قوله” ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ” سورة البقرة 85 وفي قوله ” لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ” سورة النور 12 وفي قوله ” ولا تلمزوا أنفسكم” سورة الحجرات 11 وفي قوله” فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم “سورة البقرة 54 وفي قوله ” ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ” إلى قوله” ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم” ، سورة البقرة 84 85 فإن المراد في هذا كله من نوع واحد ، فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرا فكيف ترضون أن تجعلوا ما هو مخلوقى ومملوكى شريكا لى يدعى ويعبد كما أدعى وأعبد كما كانوا يقولون فى تلبيتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ،

وهذا باب واسع عظيم جدا ليس هذا موضعه ، وإنما الغرض التنبيه على أن فى القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التى تستحق أن تكون أصول الدين .

يتبع إنشاء الله

فصل (2) : في أنّ الرسول عليه الصلاة و السلام أعلم الخلق بالحق وأقدر الناس على بيان الحق وأنصح الخلق للخلق

 فصل -2- :  في أنّ الرسول عليه الصلاة و السلام أعلم الخلق بالحق وأقدر الناس على بيان الحق وأنصح الخلق للخلق

ولما كان بيان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلى القاطع ناقضه بل يصير ذلك قدحا في الرسول وقدحا فيمن استدل بكلامه وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات أو بعضها أو نفي عموم خلقه لكل شيء أو نفي أمره ونهيه أو امتناع المعاد أو غير ذلك لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض ، وفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلا ، أما الجملة فإنه من آمن بالله ورسوله إيمانا تاما وعلم مراد الرسول قطعا تيقن ثبوت ما أخبر به وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية كما قال تعالى ، والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ، سورة الشورى 16 ، وأما التفصيل فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ذكره طائفة من الملحدين كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر أن الإستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الإستدلال بها موقوف على مقدمات ظنية وعلى دفع المعارض العقلي وإن العلم بإنتفاء المعارض لا يمكن إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقل يناقض ما دل عليه القرآن ولم يخطر ببال المستمع ، وقد بسطنا الكلام على ما زعمه هؤلاء من أن الإستدلال بالأدلة السمعية موقوف على مقدمات ظنية مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار والتخصيص والإشتراك والنقل والمعارض العقلي بالسمعي وقد كنا صنفنا في فساد هذا الكلام مصنفا قديما من نحو ثلاثين سنة وذكرنا طرفا من بيان فساده في الكلام على المحصل وفي غير ذلك ، فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقا ، وقد بينا في موضع آخر أن الرسول بلغ البلاغ المبين وبين مراده وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلى التأويل الإصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان مراد الحق ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلى النور وفرق الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغي وبين أولياء الله وأعدائه وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك حتى أوضح الله به السبيل وأنار به الدليل وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل لا على الحق ولم يبين مراده وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل وأحال الناس في معرفة المراد على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح في الرسول كما نبهنا على ذلك في مواضع كيف والرسول أعلم الخلق بالحق وأقدر الناس على بيان الحق وأنصح الخلق للخلق وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد ، فإن ما يقوله القائل ويفعله الفاعل لا بد فيه من قدرة وعلم وإرادة فالعاجز عن القول أو الفعل يمتنع صدور ذلك عنه والجاهل بما يقوله ويفعله لا يأتي بالقول المحكم والفعل المحكم وصاحب الإرادة الفاسدة لا يقصد الهدى والنصح والصلاح فإذا كان المتكلم عالما بالحق قاصدا لهدى الخلق قصدا تاما قادرا على ذلك وجب وجود مقدوره ومحمد صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق وهو أفصح الخلق لسانا وأصحهم بيانا وهو أحرص الخلق على هدى العباد كما قال تعالى” لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ” سورة التوبة 128 ، وقال ” إن تحرص على هداهم فإن الله لايهدي من يضل ” سورة النحل 37 ، وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم فلا بد أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة على جهله ونقص علمه وعقله وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ، ولما كان ما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين والكلام والعلوم العقلية والحكمة يعلم كل من تدبره أنه مخالف لما جاء به الرسول أو أن الرسول لم يقل مثل هذا واعتقد من اعتقد أن ذلك من أصول الدين وأنه يشتمل على العلوم الكلية والمعارف الإلهية والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية صار كثير منهم يقول إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين أو لم يبين أصول الدين ومنهم من هاب النبي ولكن يقول الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائرا كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج منهم إلى غيرها.

يتبع

فصل (1): في تعارض الأدلة السمعية و العقلية و ما جعله أهل العقليات و الفلسفة و الكلام من قوانين فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به

   

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
قال شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام الإمام المجاهد الصادق الصابر سيف السنة المسلول على المبتدعين والقاطع البتار لألسنة المارقين الملحدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم تقي الدين الشهير بابن تيمية الحراني رحمه الله وغفر لنا وله
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
   

  فصل -1- : في تعارض الأدلة السمعية و العقلية و ما جعله أهل العقليات و الفلسفة و الكلام من قوانين فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به (1) 


 قول القائل إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية أو السمع والعقل أو النقل والعقل أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات فإما أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين وإما أن يردا جميعا وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض ، وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما ولم يمتنع ارتفاعهما ، وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها وظن هؤلاء أن العقل يعارضها وقد يضم بعضهم إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين وقد بسطنا الكلام على قولهم هذا في الأدلة السمعية في غير هذا الموضع وأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة منهم أبو حامد وجعله قانونا في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل كالمسائل التي سأله عنها القاضي أبو بكر بن العربي وخالفه القاضي أبو بكر في كثير من تلك الأجوبة وكان يقول شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وحكى هو عن أبي حامد نفسه أنه كان يقول أنا مزجى البضاعة في الحديثووضع أبو بكر بن العربي هذا قانونا آخر مبنيا على طريقة أبي المعالي ومن قبله كالقاضي أبي بكر الباقلاني ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانونا فيما جاءت به الأنبياء عن الله فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعا له فما وافق قانونهم قبلوه وما خالفه لم يتبعوه ، وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم وقد غلطوا في الرأي والعقل ،
فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء لكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم بخلاف بدعةالجهمية والفلاسفة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء وأنه صحيح عندهم ، 
ولهؤلاء في نصوص الأنبياء طريقتان طريقة التبديل وطريقة التجهيل أما أهل التبديل فهم نوعان أهل الوهم والتخييل وأهل التحريف والتأويل ،
فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر وعن الجنة والنار بل وعن الملائكة بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم وأن الأبدان تعاد وأن لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا وإن كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به ويتخيلون أن الأمر هكذا وإن كان هذا كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق ،
وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية وهؤلاء يقولون الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبا وباطلا ومخالفة للحق فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة ،
ثم من هؤلاء من يقول النبي كان يعلم الحق ولكن أظهر خلافه للمصلحة ومنهم من يقول ما كان يعلم الحق كما يعلمه نظار الفلاسفة وأمثالهم وهؤلاء يفضلون الفيلسوف الكامل على النبي ويفضلون الولي الكامل الذي له هذا المشهد على النبي كما يفضل ابن عربي الطائي خاتم الأولياء في زعمه على الأنبياء  وكما يفضل الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما الفيلسوف على النبي ، 
وأما الذين يقولون إن النبي كان يعلم ذلك فقد يقولون إن النبي أفضل من الفيلسوف لأنه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة يعجز عن مثلها الفيلسوف وابن سينا وأمثاله من هؤلاء
ومنافي هذه الجملة قول المتفلسفة والباطنية كالملاحدة الإسماعيلية وأصحاب 
رسائل إخوان الصفاء والفارابي وابن سينا والسهرودي المقتول وابن رشد الحفيد وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقة المشايخ المتقدمين من أهل الكتاب والسنة كابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة حي ابن يقظان وخلق كثير غير هؤلاء
ومن الناس من يوافق هؤلاء فيما أخبرت به الأنبياء عن الله أنهم قصدوا به التخييل دون التحقيق وبيان الأمر على ما هو عليه دون اليوم الآخر ، 
ومنهم من يقول بل قصدوا هذا في بعض ما أخبروا به عن الله كالصفات الخبرية من الإستواء والنزول وغير ذلك ومثل هذه الأقوال يوجد في كلام كثير من النظار ممن ينفي هذه الصفات في نفس الأمر كما يوجد في كلام طائفة ،

   وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة وإلى الإستعانة بغرائب المجازات والإستعارات وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علما يقينا أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه وهؤلاء كثيرا ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض فيقصدون حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه لا يقصدون طلب مراد المتكلم به وحمله على ما يناسب حاله وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده وعلى الوجه الذي به يعرف مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل بل يقولون يجوز أن يراد كذا وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ وأما كون النبي المعين يجوز أن يريد ذلك المعنى بذلك اللفظ فغالبه يكون الأمر فيه بالعكس ويعلم من سياق الكلام وحال المتكلم امتناع إرادته لذلك المعنى بذلك الخطاب المعين وفي الجملة فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين وغيرهم وعليها بني سائر المتكلمين المخالفين لبعض النصوص مذاهبهم من المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة وغيرها

  وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه وإن كان موافقا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقا له وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره ويراد به صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك
وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعنى بل يريدون بالتأويل المعنى الأول أو الثاني
ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } سورة إل عمران 7 أريد به هذا المعنى الاصطلاحي الخاص واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } لزم من أن وايعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها وأن ذلك المعنى المراد بها لا يعلمه إلا الله لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن وهو جبريل ولا يعلمه محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء
ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وقوله { إليه يصعد الكلم الطيب } سورة فاطر 10 وقوله { بل يداه مبسوطتان } سورة المائدة 64 وغير ذلك من آيات الصفات بل ويقول ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ونحو ذلك وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله ويظنون أن هذه طريقة السلف ، 
وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء ،

   ثم هؤلاء منهم من يقول المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم ولا يعرف أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها كما لا يعلمون وقت الساعة ، 
ومنهم من يقول بل تجرى على ظاهرها وتحمل على ظاهرها ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها وقالوا مع هذا إنها تحمل على ظاهرها وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى في كتاب ذم التأويل ،
وهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلا فمنكر الصفات الخبرية الذي يقول إنها لا تعلم بالعقل يقول نصوصها مشكلة متشابهة بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده بعقله فإنها عنده محكمة بينة وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية نصوص هذه مشكلة
ومنكر الصفات مطلقا يجعل ما يثبتها مشكلا دون ما يثبت أسماءه الحسنى ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشلكة ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلا أيضا ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء وما شاء كان مشكلا دون آيات الأمر والنهى والوعد والوعيد والخائض في القدر بالجبر يجعل نصوص الوعيد بل ونصوص الأمر والنهى مشكلة فقد يستشكل كل فريق ما لا يستشكله غيره ثم يقول فيما يستشكله إن معاني نصوصه لم يبينها الرسول ، 
ثم منهم من يقول لم يعلم معانيها أيضا ومنهم من يقول بل علمها ولم يبينها بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم بل جهل معناها أو جهلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل المركب ،
وأما أولئك فيقولون بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب والإعتقادات الفاسدة وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة بخلاف اولئك فإنهم يقولون الرسول لم يقصد أن يجعل أحدا جاهلا معتقدا للباطل ولكن أقوالهم تتضمن أن الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث إما مع كونه لم يعلمه أو مع كونه علمه ولم يبينه ،

   ولهذا قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله قال : ” الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس واقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين” ،

   ويروى نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما ذكر ذلك محمد بن وضاح في كتاب الحوادث والبدع  فقد وصفوا في هذا الكلام بأنهم مع اختلافهم في الكتاب فهم كلهم مخالفون له وهم مشتركون في مفارقته يتكلمون بالكلام المتشابه ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم حيث لبسوا الحق بالباطل،

  وجماع الأمر أن الأدلة نوعان شرعية وعقلية فالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه أو يقولون عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم والمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون إن الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معاني هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس فهؤلاء الطوائف قد يقولون نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذين لم يبينوا به مرادهم أو أنا عرفنا الحق بعقولنا وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها كما لم يعرفوا وقت الساعة ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها أو يقولون بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل بل نحن منهيون عن معرفة العقليات وعن فهم السمعيات وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات .

  انتهى هذا الفصل .

  

________________________________________________  

(1) عناوين الفصول من إعداد المدون و ليست في الأصل .

فصل (7) : في أن معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم تفصيلاً فرض على الكفاية

فصل -7- : في أن معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم تفصيلاً فرض على الكفاية

وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضى وجوبه
فيقال لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهذا واجب على الكفاية منهم ،

وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم وما أمر به أعيانهم فلا يحب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتى والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك
وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أولا بد من الوصول إلى القطع
فيقال الصواب في ذلك التفصيل فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعها ولا يجوز الإستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرا ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات فضلا عن أن تكون من الظنيات حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة حجة في موضع ويقطع ببطلانها في موضع  
آخر بل منهم من عامة كلامه كذلك وحتى قد يدعى كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر

وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك كقوله { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } سورة المائدة 98 وقوله { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } سورة محمد 19 وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } سورة التغابن 16 وقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أخرجاه في الصحيحين
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيد اليقين لا شرعي ولا غيره لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقا للحق فالإعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه 
لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والإستدلال الموصل إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى { يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } سورة الأعراف 35 وقوله { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } سورة طه 123 124 قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية  وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء  وفي رواية ولا تختلف به الآراء هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } سورة الجن 2 3 من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم  وقال تعالى { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } سورة الأنعام 153 وقال تعالى { المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } سورة الأعراف 1 3 وقال { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } سورة الأنعام 155 157 فذكر سبحانه أنه يجزى الصادف عن آياته مطلقا سواء كان مكذبا أو لم يكن سوء العذاب بما كانوا يصدفون يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه اتباعا لما يهواه أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر وقد يكون كافرا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به ،

ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك إتباع ما أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين
قال تعالى { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون } سورة الأحقاف 26 وقال تعالى { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } 
سورة غافر 83 85 وقال { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } سورة غافر 35 وفي الآية الأخرى { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } سورة غافر 56

والسلطان هو الحجة المنزلة من عندالله كما قال تعالى { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } سورة الروم 35 وقال تعالى { أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } سورة الصافات 156 157 وقال { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } سورة النجم 23  وقد طالب الله تعالى من اتخذ دينا بقوله { ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } سورة الأحقاف 4 فالكتاب هو الكتاب والأثارة كما قال من قال من السلف هي الرواية والإسناد وقالوا هي الخط أيضا إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط وذلك لأن الأثارة من الأثر فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيد ذلك بالخط فيكون ذلك كله من آثاره  وقد قال تعالى في نعت المنافقين { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } سورة النساء 60 63  وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الإعتبار فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهى عنها أو لإتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه كما قال تعالى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا } إلى قوله { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } سورة البقرة 285 286 وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال قد فعلت وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا .

فصل (6):أن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله فلا يجوز أن ينهى عنه بحال بخلاف ما سمى أصول الدين وليس هو أصولا في الحقيقة

فصل -6-:أن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله فلا يجوز أن ينهى عنه بحال بخلاف ما سمى أصول الدين وليس هو أصولا في الحقيقة

وأما قول السائل فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه الصلاة والسلام النهى عن الكلام في بعض المسائل ، فيقال قد تقدم الإستفسار والتفصيل في جواب السؤال وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله فلا يجوز أن ينهى عنه بحال بخلاف ما سمى أصول الدين وليس هو أصولا في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله ، وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهى عن أمور منها القول على الله بلا علم كقوله تعالى” قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون” سورة الأعراف 33 وقوله” ولا تقف ما ليس لك به علم ” سورة الإسراء 36،

ومنها أن يقال على الله غير الحق كقوله ” ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق” سورة الأعراف 169 وقوله” ولا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق” سورة النساء 171 ، ومنها الجدل بغير علم كقوله تعالى” ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ” سورة آل عمران 66 ، ومنها الجدل في الحق بعد ظهوره كقوله تعالى ” يجادلونك في الحق بعد ما تبين ” سورة الأنفال 6 ، ومنها الجدل بالباطل كقوله ” وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق” سورة غافر 5 ، ومنها الجدل في آياته كقوله تعالى ” ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ” سورة غافر 4 وقوله” الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ” سورة غافر 35 وقال تعالى” إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ” سورة غافر 56 وقوله” ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص” سورة الشورى 35 ونحو ذلك قوله” والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب لهم حجتهم داحضة عند ربهم ” سورة الشورى 16 وقوله ” وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال “سورة الرعد 13 وقوله” ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ” سورة الحج 8 ، ومن الأمور التي نهى الله عنها في كتابه التفرق والإختلاف كقوله” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ” إلى قوله” ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه” سورة آل عمران 103 106 قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وقال تعالى ” إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله” سورة الأنعام 159 وقال تعالى” فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله” إلى قوله” ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا” سورة الروم 30 32 ، وقد ذم أهل التفرق والإختلاف في مثل قوله تعالى ” وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم” سورة آل عمران 19 وفي مثل قوله تعالى” ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” سورة هود 119 وفي مثل قوله ” وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ” سورة البقرة 176 ، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توافق كتاب الله كالحديث المشهور عنه الذي روى مسلم بعضه عن عبدالله بن عمرو وسائره معروف في مسند أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر ورجل يقول ألم يقل الله كذا ورجل يقول ألم يقل الله كذا فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: “ أبهذا أمرتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه” هذا الحديث أو نحوه وكذلك قوله المراء في القرآن كفر وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قوله” هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله “سورة آل عمران 7 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ” ، وأما أن يكون الكتاب والسنة نهيا عن معرفة المسائل التي تدخل فيما يستحق أن يكون من أصول الدين فهذا لا يجوز اللهم إلا أن ينهيا عن بعض ذلك في بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عن فهمه فيضل كقول عبدالله بن مسعود : ما من رجل يحدث قوما حديث لاتبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وكقول علي : حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله أو مثل قول حق يستلزم فسادا أعظم من تركه فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ”  من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” رواه مسلم .

يتبع بإذن الله

فصل (5) : في مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم

فصل -5- في مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم

وأما مخاطبة أهل الإصطلاح بإصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعانى صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم فإن هذا جائز حسن للحاجة وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص وكانت صغيرة فولدت بأرض الحبشة لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها يا أم خالد هذا سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن لأنها كانت من أهل هذه اللغة ، ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمها بالعربية ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك حيث لم يأتمن اليهود عليه ، فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الإصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك بل لأن المعانى التى يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم فى الأدلة والأحكام ما يجب النهى عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة فى النفي والإثبات كما قال الإمام أحمد فى وصفه لأهل البدع فقال هم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم ، فإذا عرفت المعانى التى يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنت بالكتاب والسنة بحيث يثبت الحق الذى أثبته الكتاب والسنة وينفى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا فى الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل والتقسيم الذى هو من الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبه ، فإنه لا يوجد فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة والتابعين ولا أحد من الأئمة المتبوعين أنه علق بمسمى لفظ الجوهر والجسم والتحيز والعرض ونحو ذلك شيئا من أصول الدين لا الدلائل ولا المسائل ، والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها تارة لاختلاف الوضع وتارة لاختلافه فى المعنى الذى هو مدلول اللفظ كمن يقول الجسم هو المؤلف ثم يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه أو الجوهران فصاعدا أو الستة أو الثمانية أو غير ذلك ومن يقول هو الذى يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وإنه مركب من المادة والصورة ومن يقول هو الموجود أو يقول هو الموجود القائم بنفسه أو يقول هو الذى يمكن الإشارة إليه وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا كذلك ، والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعانى التى يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ فى أصول الدين فى دلائله وفى مسائله نفيا وإثباتا فأما إذا عرفت المعانى الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى” كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما أختلفوا فيه ” سورة البقرة 213 وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف .

يتبع بإذن الله

فصل (4) : ما أدخله الناس من باطل في مسمى أصول الدين

فصل -4- : ما أدخله الناس من باطل في مسمى أصول الدين

وأما ما يدخله بعض الناس فى هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفى الصفات والقدر ونحو ذلك من المسائل ومثل الإستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التى هى صفات الأجسام القائمة بها إما الأكوان وإما غيرها ، وتقرير المقدمات التى يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التى هى الصفات أولا أو إثبات بعضها كالألوان التى هى الحركة والسكون والإجتماع والإفتراق وإثبات حدوثها ثانيا بإبطال ظهورها بعد الكمون وإبطال إنتقالها من محل إلى محل ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثا إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها وأن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعا،

وهو مبنى على مقدمتين إحداهما أن الجسم لا يخلو عن الأعراض التي هى الصفات والثانية أن ما لا يخلو عن الصفات التى هى الأعراض فهو محدث لأن الصفات التى هى الأعراض لا تكون إلا محدثة وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى ، فهذه الطريقة مما يعلم بالإضطرار أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام كالأشعرى وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة وأئمتها وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقا ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له إما أن يطلع على ضعفها ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة أو يرجح هذا تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار والتزم لأجلها ، أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة والتزم قوم لأجلها كالأشعرى وغيره أن الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك والتزم قوم لأجلها ولأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها فقالوا صفات الأجسام أعراض أى أنها تعرض فتزول فلا تبقى بحال بخلاف صفات الله فإنها باقية ، وأما ما اعتمد عليه طائفة منهم من أن العرض لو بقى لم يمكن عدمه لأن عدمه إما أن يكون بإحداث ضد أو بفوات شرط أو اختيار الفاعل وكل ذلك ممتنع فهذه العمدة لا يختارها آخرون منهم بل يجوزون أن الفاعل المختار يعدم الموجود كما يحدث المعدوم ولا يقولون إن عدم الأجسام لا يكون إلا بقطع الأعراض عنها كما قاله أولئك ولا بخلق ضد هو الفناء لا فى محل كما قاله من قاله من المعتزلة ، وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا هذه مخالفة للمعلوم بالحس ، والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات الرب مطلقا أو نفى بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضا في غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التى التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم ، فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذى شرعه الله لعباده ، وأما الدين الذى قال الله فيه” أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ” سورة الشورى 21 فذاك له أصول وفروع بحسبه ، وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الإسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذى هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول ، وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل ، كما أن لازم الحق حق والدليل ملزوم لمدلوله فمتى ثبت ثبت مدلوله ومتى وجد الملزوم وجد اللازم ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم والباطل شىء وإذا انتفى لازم الشىء علم أنه منتف فيستدل على بطلان الشى ببطلان لازمه ويستدل على ثبوته بثبوت ملزومه فإذا كان اللازم باطلا فالملزوم مثله باطل وقد يكون اللازم خفيا ولا يكون الملزوم خفيا وإذا كان الملزوم خفيا كان اللازم خفيا وقد يكون الملزوم باطلا ولا يكون اللازم باطلا فلهذا قيل إن ملزوم الباطل باطل فإن ملزوم الباطل هو ما استلزم الباطل فالباطل هو اللازم وإذا كان اللازم باطلا كان الملزوم باطلا لأنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم ولم يقل إن الباطل لازمه باطل ، وهذا كالمخلوقات فإنها مستلزمة لثبوت الخالق ولا يلزم من عدمها عدم الخالق والدليل أبدا يستلزم المدلول عليه يجب طرده ولا يجب عكسه بخلاف الحد فإنه يجب طرده وعكسه ، وأما العلة فالعلة التامة يجب طردها بخلاف المقتضية وفي العكس تفصيل مبسوط في موضعه ، وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله إذ ذاك متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات الباطلة ، فأما من قال الحق الذى أذن الله فيه حكما ودليلا فهو من أهل العلم والإيمان ” والله يقول الحق وهو يهدي السبيل “سورة الأحزاب 4 .

يتبع بإذن الله

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.